ابن كثير
306
البداية والنهاية
ولي نظر الدواوين بدمشق ، ودفن بتربته عند اللبودية ( 1 ) . الشيخ علي البكاء صاحب الزاوية بالقرب من بلد الخليل عليه السلام ، كان مشهورا بالصلاح والعبادة والاطعام لمن اجتاز به من المارة والزوار ، وكان الملك المنصور قلاوون يثني عليه ويقول : اجتمعت به وهو أمير وأنه كاشفه في أشياء وقعت جميعها ، ومن جملتها أنه سيملك . نقل ذلك قطب الدين اليونيني ، وذكر أن سبب بكائه الكثير أنه صحب رجلا كانت له أحوال وكرامات ، وأنه خرج معه من بغداد فانتهوا في ساعة واحدة إلى بلدة بينها وبين بغداد مسيرة سنة ، وأن ذلك الرجل قال له إني سأموت في الوقت الفلاني ، فأشهدني في ذلك الوقت في البلد الفلاني . قال : فلما كان ذلك الوقت حضرت عنده وهو في السياق ، وقد استدار إلى جهة الشرق فحولته إلى القبلة فاستدار إلى الشرق فحولته أيضا ففتح عينيه وقال : لا تتعب فإني لا أموت إلا على هذه الجهة ، وجعل يتكلم بكلام الرهبان حتى مات فحملناه فجئنا به إلى دير هناك فوجدناهم في حزن عظيم ، فقلنا لهم : ما شأنكم ؟ فقالوا كان عندنا شيخ كبير ابن مائة سنة ، فلما كان اليوم مات على الاسلام ، فقلنا لهم : خذوا هذا بدله وسلمونا صاحبنا ، قال فوليناه فغسلناه وكفناه وصلينا عليه ودفناه مع المسلمين ، وولوا هم ذلك الرجل فدفنوه في مقبرة النصارى ، نسأل الله حسن الخاتمة . مات الشيخ علي في رجب من هذه السنة . ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وستمائة في خامس المحرم وصل الظاهر دمشق من بلاد السواحل التي فتحها وقد مهدها ، وركب في أواخر ( 2 ) المحرم إلى القاهرة فأقام بها سنة ( 3 ) ثم عاد فدخل دمشق في رابع ( 4 ) صفر ، وفي المحرم منها وصل صاحب النوبة إلى عيذاب ( 5 ) فنهب تجارها وقتل خلقا من أهلها ، منهم الوالي
--> ( 1 ) ولد سنة 607 ه وتوفي في العشر الأوسط من ذي الحجة بدمشق ( تاريخ الملك الظاهر 2 / 23 ) . ( 2 ) في الروض الزاهر ص 403 : السادس من المحرم . وفي القطب اليونيني 3 / 1 وتاريخ الملك الظاهر 2 / 26 : يوم الأحد سابع عشر المحرم . ( 3 ) كذا بالأصل وهو تصحيف ، لأنه لم يبق في الديار المصرية إلا أياما من شهر محرم ، فقد عاد من مصر ليلة تاسع وعشرين من المحرم ( اليونيني 3 / 1 الروض الزاهر ص 404 تاريخ الملك الظاهر 2 / 27 ، وفي السلوك 1 / 605 تاسع عشره . وفي المفضل : سابع وعشرين ) . ( 4 ) في الروض الزاهر ص 404 وتاريخ ابن الوردي 2 / 315 : ثالث صفر . ( 5 ) كان مرفأ هاما على بحر القلزم ( الأحمر ) في صحراء قفر ، وكان مرسى المراكب التي تأتيه من اليمن والحبشة والهند ، كما كان يقصده الحجاج الذين يتوجهون من مصر إلى جدة . وعيذاب الآن مندثرة .